Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة سوق السندات تزيد من احتمالات ركود اقتصادي عالمي

تراكم ديون فترة الإقراض اليسير يوشك على الانفجار مع توقعات استمرار ارتفاع أسعار الفائدة

شره الاقتراض في فترة الفائدة الصفرية راكم ديوناً هائلة يصعب تمويل خدمتها حالياً بفوائد مضاعفة (أ ف ب)

ملخص

أسواق السندات تقترب من مرحلة الخطر بارتفاع العائد إلى نسبة 5 في المئة غير المسبوقة منذ عام 2007

شهدت سندات الدين بمختلف أنواعها وأشكالها عمليات بيع هائلة الأسبوع الماضي هوت بأسعارها ورفعت العائد على السندات إلى أعلى نسبة منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية قبل عقد ونصف العقد من الزمن.

قد يبدو اضطراب سوق السندات العالمية مسألة تخص المستثمرين في الأوراق المالية والأسواق فحسب، إلا أن ذلك الاضطراب له تبعاته ليس فقط على النظام المالي العالمي الذي قد يتعرض لأزمة مفاجئة في أي لحظة وإنما أيضاً على الاقتصاد ككل بما فيها المالية العامة للحكومات ونشاط الشركات وحتى على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.

ووصل العائد على سندات الخزانة الأميركية متوسطة الأجل لمدة 10 سنوات، التي تعد المؤشر القياسي لسوق السندات العالمية، إلى قرب خمسة في المئة (4.89 في المئة)، بينما تجاوز العائد على سندات الخزانة الأميركية الطويلة الأجل لمدة 30 عاماً نسبة خمسة في المئة بالفعل، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2007 في تداولات هذا الأسبوع.

كذلك ارتفع العائد على السندات الألمانية إلى نسبة ثلاثة في المئة للمرة الأولى منذ عام 2011، وبما أن نسبة العائد تتناسب عكسياً مع سعر وقيمة سند الدين، فهذا يعني هبوطاً مطرداً في أسعار السندات.

المشكلة هذه المرة أن الأسواق لا تشهد تحركاً كالمعتاد، بمعنى أن أسعار السندات تهبط في وقت ترتفع أسعار الأسهم، لكن الحاصل في الأسابيع الأخيرة أن سوق السندات تهبط مع هبوط أيضاً في أسواق الأسهم بشكل عام، بل إن معامل أخطار الأسهم، الذي يعني الفارق بين العائد على الاستثمار في الأسهم كأصول عالية الأخطار والاستثمار في السندات كأصول منخفضة الأخطار، يقترب من الصفر تقريباً، مع أنه تقليدياً يميل المعامل لصالح الأسهم.

الأسباب المباشرة وغير المباشرة

السبب المباشر والأكثر تركيزاً عليه في تحليلات الاقتصاديين والمعلقين هو خطأ الأسواق والمستثمرين في توقع بدء البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى التحول عن سياسة التشديد النقدي بسرعة، أي مع وقف رفع أسعار الفائدة الذي بدأ منذ عام ونصف العام تقريباً لكبح جماح ارتفاع معدلات التضخم، ستعود البنوك المركزية إلى التيسير النقدي وتبدأ في خفض أسعار الفائدة.

لكن من الواضح أن السياسات النقدية ليست على وشك التغير قريباً، وأن أسعار الفائدة ستظل مرتفعة لمدة أطول مما قدرت الأسواق على رغم ما يبدو من تباطؤ ارتفاع معدلات التضخم. ليس هذا فحسب، بل إنه في اليوم الأخير من الأسبوع الماضي، الجمعة، أظهرت أرقام سوق العمل الشهرية في الولايات المتحدة أن أكبر اقتصاد في العالم أضاف 336 ألف وظيفة أكثر تقريباً من ضعف التوقعات، مما يعني أن الاقتصاد في حالة جيدة لا يخشى عليها من رفع أسعار الفائدة من جديد، وهذا ما دفع المستثمرين في الأسواق إلى العودة لوضع احتمال أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي سعر الفائدة مرة أخرى قبل نهاية هذا العام بعدم توقف عن الرفع وترك سعر الفائدة كما هو في اجتماعه الشهر الماضي.

السبب الأول إذاً لاضطراب سوق السندات هو وضع الاقتصاد الذي يبدو أقرب إلى تفادي الركود، ومن ثم يمكن أن تستمر أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، إن لم ترتفع أكثر، من دون خوف على تباطؤ كبير في معدلات النمو، ويعني ذلك استمرار ارتفاع كلفة الاقتراض والائتمان بشكل عام.

السبب الآخر في اضطراب أسواق السندات واحتمال أن يكون شرارة أزمة مالية جديدة في النظام العالمي كله، فترة "الأموال السهلة" منذ ما بعد الأزمة المالية العالمية في 2008 – 2009 وحتى أزمة وباء كورونا عام 2020، إذ توسعت الحكومات والشركات في إصدار أذون الخزانة والسندات وراكمت ديوناً هائلة بنسب فائدة منخفضة جداً، وفي فترة أزمة وباء كورونا، وبهدف تنشيط الاقتصاد، كانت أسعار الفائدة وصلت إلى قرب الصفر وفي بعض المناطق في أوروبا وآسيا كانت الفائدة بالسلب.

شره الاقتراض

وبحسب معهد التمويل الدولي وصل حجم الدين العالمي بنهاية النصف الأول من العام الحالي 2023 إلى نحو 307 تريليونات دولار، أي نحو ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ولأن القدر الأكبر من هذا الدين كان قليلاً أو منعدم الكلفة، فقد بدأت الحكومات والشركات وحتى الأفراد تعاني بشدة مع ارتفاع أسعار الفائدة بالتالي ارتفاع كلفة خدمة الدين منذ النصف الثاني من عام 2021.

وأصبحت معظم دول العالم تعاني عجزاً هائلاً في ميزانياتها، وتضطر إلى الاقتراض أكثر بفائدة أعلى لتمويل خدمة الدين من مدفوعات الفوائد والأقساط، وعلى سبيل المثال اقتربت فاتورة الفوائد على الدين الأميركي الحكومي في 11 شهراً منتهية في أغسطس (آب) الماضي إلى ما يقارب التريليوني دولار (808 مليارات دولار)، بزيادة بمقدار 130 مليار دولار على الفترة السابقة المقابلة، ويقدر المحللون والاقتصاديون أن تستمر فاتورة خدمة الدين لأكبر اقتصاد في العالم في الارتفاع مع استمرار أسعار الفائدة مرتفعة عند معدلاتها الحالية.

وكتبت كيتي مارتن في مقال لها بصحيفة "فايننشال تايمز" وما خلص إليه أيضاً المحللون في وكالة "بلومبيرغ" في تقرير لهم هذا الأسبوع فإن الحكومات تواجه معضلة مزدوجة، فهي إما تضطر إلى الاقتراض بفوائد أعلى لتسديد خدمة الديون التي راكمتها في فترة "شره الاقتراض" أو تفرض مزيداً من الضرائب على مواطنيها الذين يعانون أصلاً تردي أوضاعهم المالية والاقتصادية، أو قد تكون مجبرة على الخيارين مما يعني تفاقم أزماتها الاقتصادية والاجتماعية.

ومع التوقعات بأن الركود الاقتصادي العالمي قد لا يحدث فالأرجح أن تستمر السياسات الحالية بكل ما تحمله من عوامل احتمال انفجار فقاعة ديون قد تأتي من أي حدث في أي جانب من السوق أو من الاقتصاد العام.

السندات والحياة اليومية

ليست سندات الدين مجرد أوراق مالية ومشتقات استثمارية تقتصر أهميتها على من يتداولون فيها من المستثمرين في الأسواق، بل تتعدى أهميتها ذلك لتمس كثيراً من تفاصيل الحياة اليومية، والمثال الأوضح والأقرب هو القطاع العقاري، إذ إن القروض العقارية مسنودة أساساً بسندات دين في سوق السندات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الآن، مع ارتفاع معدلات الفائدة على القروض العقارية في الولايات المتحدة إلى أكثر من نسبة سبعة في المئة، يمكن لأي اضطراب في سوق السندات يقابله هبوط واضح في السوق العقارية أن يؤدي إلى أزمة مالية ليس فقط في أميركا بل أزمة عالمية، والقطاع العقاري البريطاني أكثر حساسية لاضطراب سوق السندات، إذ إن معظم المقرضين العقاريين طرحوا السندات في فترة أزمة وباء كورونا، إذ كانت الأموال الرخيصة والفائدة قرب الصفر. والآن فأغلب المواطنين الذين أخذوا قروضهم العقارية بسعر فائدة منخفض مربوط لفترة زمنية سيضطرون إلى إعادة تمويل قروضهم العقارية بأسعار فائدة أضعافاً مضاعفة، ويعني ذلك زيادة في الأقساط الشهرية التي عليهم دفعها، في وقت يعانون فيه أصلاً ارتفاع كلفة المعيشة.

ليس هذا فحسب، بل إن التراجع المزدوج في سوق الأسهم وسوق السندات يعني أزمة حقيقية لكثير من الصناديق والشركات التي ستخفض استثماراتها في توسيع نشاطها وتراجع عمليات الاستحواذ والاندماج لتردد البنوك في تمويل تلك العمليات، بالتالي يؤدي انخفاض نشاط الشركات إلى الضغط على العرض في السوق مما يغذي ضغوطاً تضخمية تضر بالاقتصاد وبحياة الأفراد.

هناك أيضاً صناديق معاشات التقاعد التي تعتمد على العائد الثابت من السندات وقيمتها لتتمكن من تسديد التزاماتها تجاه المشتركين فيها، وفي الأغلب، ومن باب التحوط، تمزج تلك الصناديق في محافظها الاستثمارية بين حيازتها من الأسهم والسندات، أي من الأصول عالية الأخطار مع الأصول قليلة الأخطار بنسبة 60/40 في المئة المعتادة، وفي حال هبوط قيمة الأصول من الجانبين تصبح تلك الصناديق في أزمة حقيقية، ويؤثر ذلك بالطبع في مشتركيها من المتقاعدين حول العالم.

اقرأ المزيد

المزيد من أسهم وبورصة